في ظل التغيرات المناخية اية استراتيجية لادارة المياه في لبنان

نظم "حزب البيئة اللبناني" نهاية الاسبوع الماضي اجتماعا وطنيا تحت عنوان : "في ظل التغيرات المناخية اية استراتيجية لادارة المياه في لبنان" بحضور وزير البيئة محمد رحال وممثل وزير الطاقة والمياه جبران باسيل مستشاره عبدو تيار وسمير فرح عن مؤسسة فريديريسش ايبرت ورئيس حزب البيئة الزميل حبيب معلوف، بالاضافة الى عدد كبير من الخبراء وممثلين عن الوزارات المعنية وبعض مصالح المياه وناشطين في حقل المياه والبيئة؟
جلسة الافتتاح
افتتح الاجتماع الوطني بكلمة للزميل حبيب معلوف عن حزب البيئة عرض فيها ملخصا عن التقرير الذي وضعه الحزب عن المياه وسلمه للجهات المعنية للنقاش والذي يتضمن رؤية ومقاربة بيئية مختلفة لموضوع المياه في لبنان. ويحدد التقرير "أن مشكلة المياه في لبنان هي في سوء الإدارة والتوزيع والتلوث أكثر منها في الندرة والشح، خصوصاً وأن 70 في المئة من المياه تذهب لاستخدامات الري والزراعة و50 في المئة هدراً في شبكات التوزيع"، مؤكدة أن "تنظيم عمل حفر الآبار الارتوازية وإقفال غير المرخص منها وتركيب عدادات يمكن أن يوفر ما يقارب 50 في المئة من المياه الجوفية ومداخيل مهمة للخزينة وأن إعادة الاعتبار للمياه كملكية عامة يؤمن الحد الأدنى من حقوق اللبنانيين في مياه شرب طبيعية ومجانية"، مطالبة بالتريث في إنشاء السدود قبل استنفاد كل وسائل التخزين الأخرى والبديلة عن التخزين الجوفي، وقبل استنفاد كل وسائل التوفير والترشيد في الاستعمالات كاقة.
ثم تحدث ممثل مؤسسة "فريدريش ايبرت" سمير فرح الذي اعتبر ان لبنان من الدول التي لم تحسن ادارة المياه العذبة بسبب غياب الخطط العلمية للتعامل مع المشكلة بشكل علمي وواقعي وكيفية تدارك النتائج الكارثية التي يمكن ان نصل اليها على ضوء تغير المناخ. كما اوضح ان المياه هي مسؤولية الجميع ويجب عدم التهاون بها على جميع المستويات.
ممثل وزير الطاقة والمياه المهندس المستشار عبدو تيار عرض ما تقوم به الوزارة من اجراءات للتخفيف من هذه تأثيرات تغير المناخ وخصوصاً على دورة المياه في مجالات المتساقطات والفيضانات ومواسم الجفاف وشح الينابيع وارتفاع درجة الحرارة الذي يزيد من الطلب على المياه في شتى المجالات. كما اشار الى المعطيات التي يجب اخذها بعين الاعتبار عند انشاء السدود لأن المتغيرات الأخيرة في المناخ غيرت التوقعات المبنية على دراسات سابقة حيث اصبحت هذه الدراسات تحتاج الى التعديل على ضوء معطيات المتغيرات المستجدة. وأضاف ان الوزارة تأخذ بعين الاعتبار الأثر البيئي والأمن المائي بعين الاعتبار عند وضع وتنفيذ خططها بمساعدة البيئيين. وقد افاد بأن الوزارة توقفت عن إعطاء التراخيص لحفر الآبار بغية تنظيم هذه العملية كما وضعت آلية جديدة مع شروط دقيقة تحافظ على الموارد المائية الجوفية هي في طريق التطبيق قريباً، واشار الى الانجاز الذي حققته الوزارة بمشروع تأسيس المركز اللبناني لترشيد استخدام المياه على غرار المركز اللبناني لحفظ الطاقة الذي تم تأسيسه سابقاً. وركز ايضاً على الانطلاق في وضع استراتيجية وطنية شاملة لقطاع المياه تتضمن مياه الشفة والري والصرف الصحي وتخفيف الهدر وتهتم بالوضع الحالي للقطاع من حيث الموارد والاستخدامات والوضع الاداري والقانوني وتضع حلولاً لمشاكل البنى التحتية والحاجات المستقبلية ودراسة الحراك السكاني والحركة السياحية. واشار الى النقص الحاصل بالنسبة للكادر البشري وتطبيق القوانين. وأعطى مهلة لآخر عام 2010 لانجاز هذه الإستراتيجية التي سيتم إشراك كل من الخبراء والدارسين وصناع القرار في صياغتها واشراك القطاع الخاص في تمويل بعض جوانبها.
واختتم وزير البيئة الاستاذ محمد رحال الجلسة الافتتاحية تطرق فيها الى مشكلة تناقص المتساقطات من امطار وثلوج بسبب التغير المناخي وبالتالي تناقص حصول الفرد في لبنان على حاجته من المياه للاستهلاك اليومي. وركز الوزير على عدم استمرارية العمل في الوزارة من حيث عدم متابعة الخطط التي يمكن ان يكون سلفه قد باشر بها بسبب محدودية الفترة الزمنية للحكومات والوزراء وبالتالي فإن الكثير من الدراسات متواجدة ولا يعرف الوزير عنها الا القليل فعادة ما يقوم الوزير الجديد بطلب دراسات جديدة مما يؤدي الى الهدر المالي في مجال اعداد الدراسات. ولكن المهم هو ان موضوع الماء اساسي ويجب ادخال المفاهيم البيئية في جميع الوزارات لان الموضوع البيئي يمس مجمل نواحي حياة المواطن ويجب ان يكون هناك تنسيقاً بين كل الوزارات (الطاقة ، الداخلية، الصحة، العدل، الداخلية والأشغال وغيرها ليكون العمل في المحافظة على البيئة متكاملاً. أما بالنسبة للتغير المناخي فقد اشار الوزير الى وجود وحدة للدراسات ستقوم الوزارة بعرض نتائج دراساتها على مجلس الوزراء بغرض التنسيق بين الوزارات للعمل المستقبلي للمحافظة على البيئة وذللك لاهمية الموضوع بعد 40 او 50 سنة قبل ان يصبح الوضع كارثياً. واوضح انه قام بالتنسيق مع بعض الدول العربية مثل مصر في هذا المجال.

الجلسات

الجلسة الاولى التي ترأسها المهندس لطف الله الحاج احد اعضاء حزب البيئة اللبناني تحدث فيها الدكتور هيام ملاط عارضا لقوانين المياه منذ العهد العثماني الى الآن والذي ركز فيها على الحقوق المكتسبة على المياه والاتفاق الحاصل بين السلطة وبين المواطنين على توزيع المياه بشكل عادل لتأمين التنمية الزراعية مما شكل أماناً في وجه المشاكل الاجتماعية والسياسية التي كان من الممكن ان تحدث ولفترة زمنية طويلة الى نهاية القرن السابع عشر مما ادى الى استقرار اجتماعي ونقلة نوعية في استثمار الاراضي بصورة حضارية وفي ظل العادات والتقاليد الى جانب القوانين. ومع بداية القرن التاسع عشر وبعد اعطاء السلطة العثمانية امتيازات لتنفيذ مشاريع مائية مثل جر مياه نهر الكلب الى بيروت برزت الاشكالات التي تم حلها عبر مفاوضات واتفاقات الحقوق المكتسبة للمياه التي كرست لحد الآن والتي تشكل عقبة في الملكية العامة للمياه على مستوى الدولة مما يستدعى اجراء تعديلات عليها واستملاك الدولة لمصادر المياه بعد التعويض على اصحاب الامتيازات والعمل على حصر الحقوق المكتسبة ومعالجة الموضوع بحكمة وجدية.
ثم تحدث القاضي حسن الشامي عن المياه كملكية عامة مشيرا الى عدم وجود قانون موحد للمياه في لبنان ولا توجد قواعد قانونية شاملة ومن المعيب ان تبقى بعض القوانين الجيدة في الارشيف رغم ان بعضها جيد وسابق لعصره. تم تطرق الى ضرورة الموافقة في مجلس النواب على منح اي امتياز لأي مورد مياه واشار الى التعديات على الاملاك العامة المائية من شواطئ ومجاري مياه وشلالات وسدود ثم استعرض القوانين والتشريعات المتعلقة بالمحافظة على مياه الاملاك العامة وكيفية ادارتها وتنظيم التنقيب على المياه الجوفية. كما اكد على ان القانون 221 للمياه يحتاج الى ايضاح وتفسير اكثر للصلاحيات حيث هناك تناقض بين مهام وزارة الطاقة والمياه وبين المؤسسات العامة للمياه الموكل اليها مهمة توزيع المياه على المشتركين تحت وصاية الوزارة حيث يوجد تناقض في الصلاحيات بينهما. وفي الختام استعرض انجازات وزارة الطاقة فيما يتعلق بحفظ الطاقة وحفظ وترشيد استهلاك المياه حيث تم انشاء مراكز لهذه الغاية كما تم تشكيل لجنة في الوزارة للوصول لآلية عادلة ومتطورة لتنظيم الآبار الارتوازية في لبنان. وفي الختام اعرب عن ضرورة القيام بحملة لتطبيق القوانين ويجب على الضابطة العدلية في وزارة الداخلية تطبيق القوانين ومنع المخالفات وردعها وخصوصاً في منطقة القرعون حيث تتسبب المصانع والصرف الصحي يتلويث مياه السد وتسميمها.
وفي جلسة العمل الثانية التي ترأسها الدكتور علي قعفراني استهل الدكتور سليم كتفاغو ورقته بعنوان ادارة الطلب على المياه بالحديث عن ضرورة الادارة الشاملة للمياه للحد من الازمات واستعرض عناصر هذه الادارة الشاملة التي تتلخص بمحدودية وموارد المياه وتزايد الطلب عليها والتعديات عليها ومعالجة المياه المبتذلة والتلوث والاستهلاك غير العقلاني للمياه الجوفية وعدم التوازن في توزيع الموارد ومتطلبات الري التي اصبحت تتطلب كميات ضخمة وتفاقم التصرفات غير الاخلاقية والمتمثلة بالفساد في الامور المالية. واوضح ان المياه الملوثة لا يمكن استلرجاع نقاوتها الا بعد عشرات او مئات السنين واشار الى ضرورة القيام بالفحوصات المخبرية لنوعية المياه وايقاف الهدر واصلاح الشبكات وتأهيلها. ثم تطرق الى حاجة ادارة الطلب على المياه الى ادارة ديمقراطية شفافة حسب مبادئ الامم المتحدة من حيث العدالة والشفافية والمرونة والرؤية الاستراتيجية وتحديد المسؤوليات واكد بأن الاكتفاء الذاتي للمياه في لبنان لا يمكن التوصل اليه إلاّ بعد 30 او 40 سنة بعد اتخاذ الاجراءات الكافية لايقاف الهدر وبعد الادارة الجيدة للمياه الجوفية والسطحية. كما اشار الى ان قانون المياه لسنة 2000 هو جيد ولكنه غير كاف اذ انه لا يوجد تنسيق فعلي بين المؤسسات الحكومية التي تهتم بالمياه في لبنان والتي تتجاوز 15 مؤسسة وخصوصاً في غياب لجنة وزارية للتنسيق. ويجب النظر الى خطوات قادمة لتحسين الخدمات وايصال المياه. واردف باننا لم نستطع حتى الآن الوصول الى الاهداف المرجوة بسبب عدم فعالية الاصلاحات وعدم توفر المرونة والالتباس في الصلاحيات بين الوزارة ومؤسسات المياه كما انه لا توجد في النصوص اي اشارة الى امكانية ادارة الاحواض من قبل المواطنين اي من قبل القطاع الخاص. . وفي الختام اشار الى ان شروط نجاح ادارة الطلب على المياه تتلخص بإعادة النظر في التعرفة والحد من الهدر وضبط الطلب على المياه وتركيب عدادات جيدة والرقابة والتدقيق وضبط الجودة ومشاركة المواطنين والقطاع الخاص وارساء ثقافة لحسن التعاطي مع المياه والتوعية بترشيد المياه وعدم هدرها.
ثم تحدث عضو حزب البيئة الدكتور كمال سليم عن الواقع البيئي لبحيرة القرعون والذي زود الحضور بمعلومات علمية عن النقص الحاصل في كمية مياه بحيرة القرعون التي تضاءلت من 220 مليون متر مكعب عند انشائها الى 29 مليون متر مكعب في ترات الصيف في بعض الاحيان لتعود الى 129 مليون متر مكعب في الشتاء. كما تحدث عن التلوث الحاصل في بحيرة القرعون استناداً الى المعطيات التي جاءت نتيجة رفع عينات من المياه في فترات مختلفة في السنة حيث يتغير مستوى كميات البكتيريا القاتلة (Cynabacteries) في بحيرة السد تبعاً لتغير مستوى منسوب المياه في البحيرة وبتغير الحارة صيفاً وشتاءً. وأشار د. سليم الى ان البكتيريا الجديدة التي اجتاحت مياه البحيرة قدمت عبر الجو من بحيرة طبريا وهي بكتيريا قاتلة تكون هي الطاغية في فترات الصيف حتى ان النزول الى البحيرة وملامسة المياه لجسم الانسان يتسبب بالحساسية نظراً للسمية التي تفرزها هذه الكتيريا مما يؤثر سلباً على الغطاء النباتي الذي يروى بمياه البحيرة في هذا الوقت من السنة كما يؤثر على القطعان والمواشي التي تشرب من البحيرة. أما اسباب انتشار هذه البكتيريا وتركيزها فهو يعود اساساً الى كمية التلوث المرتفعة والناتجة عن الفضلات المصانع وخصوصاً معمل الكرتون وكذلك بسبب تصريف المياه المبتذلة للقرى المجاورة والمنشآت السياحية في مياه البحيرة اذ ان هذه البكتيريا تتكاثر على النيترات والمركبات الفوسفورية الناتجة عن الفضلات الصناعية والاسمدة الآزوتية بالاضافة الى سوء ادارة بحيرة السد التي تحتاج الى ادارة جيدة مضاعفة بسبب ان بحيرات السدود في العالم معرضة اكثر من البحيرات الطبيعية الى اجتياح الطفيليات والفطريات والبكتيريا لها.
واختتمت الجلسة الثانية بكلمة الدكتور بسام جابر الذي تحدث عن تجربة استخدام عدادات المياه في لبنان حيث عدد لنا انواع العدادات والتقنيات والفوائد المرجوة منها. وأشار ايضاً الى أن الشبكات تحتاج الى اعادة تأهيل لايقاف الهدر إذ تبين ان كمية المياه المهدورة في ظل استخدام العدادات تساوي 50% اذ تم احتساب كمية المياه الخارجة من المصدر واحتساب الكميات الموزعة والمستهلكة عبر العدادات فتبين ان الكمية امستهلكة لم تتجاوز 50% من الكميات الخارجة من المصدر. ولكنه أكد ان التجربة جيدة اذا كانت العدادت من النوع الجيد لأن تجربة عدادات صيدا هي تجربة سيئة لأن نوعية العدادات ارتبطت بمناقصة لاختيار الارخص على حساب الجودة ودون الاخذ بعين الاعتبار الجوانب التقنية.
التوصيات
وتراس الجلسة الاخيرة القاضي نبيل صاري لصياغة التوصيات وابرزها :
- الاسراع في انجاز استراتيجية وطرحها للنقاش. وإجراء مسح على الآبار الارتوازية كافة في لبنان المرخصة وغير المرخصة، الخاصة والعامة، بالتعاون بين وزارة الطاقة والمياه والوزارات المعنية كافة، ولاسيما الداخلية والبلديات لضبط هذه الابار ووضع عدادات عليها واستيفاء الرسوم المتوجبة وإقفال ما يهدد الينابيع او الآبار العامة. ووضع آلية جديدة للتراخيص أكثر تشددا. و ضبط وترشيد الاستخدامات كافة وتحديد الطلب بدل تعزيزه. ضبط الاستخدامات المنزلية عبر استبدال العيارات بالعدادات. و اصلاح الشبكات لوقف الهدر وتحسين الجباية. والترشيد في الاستهلاكات كافة ولاسيما في السياحة، ولا سيما في المسابح الخاصة صيفا، وفي الفنادق، ووضع العدادات ونظم إعادة الاستعمال. هذا بعد القيام بمسح شامل ومراقبة لاستهلاكات المياه في هذا القطاع ووضع الرسوم على الاستهلاكات. والإسراع في معالجة الصرف الصحي في لبنان، اذ يمكن الاستفادة من خلال معالجة هذا الموضوع بحماية مصادر المياه الجوفية من التلوث، وإعادة استعمال المياه المبتذلة بعد معالجتها في الزراعة، في المناطق الزراعية، او إعادة الاستخدام في السياحة، ولاسيما في ري أشجار وأزهار وسطيات الطرق. والتوفر من المياه العذبة المستخدمة في القطاع السياحي، غير المقدرة حتى الآن. وإعادة فتح المختبر المركزي بأسرع وقت ممكن او تامين البديل السريع الذي يقوم بدور المراقب، وفحص العينات مجانا ، وتطبيق مرسوم إنشاء لجنة مراقبة مصادر المياه التي يرأسها مدير المختبر المركزي.
وفي الختام وقع الزميل حبيب معلوف كتابه الجديد :"الى الوراء : في نقد اتجاهات التقدم".
حزب البيئة اللبناني

بيروت في 5/7/2010